المحاضرة الأولى: العلم

Publié le par bouzifiwahiba

القطب الجامعي بالعفرون – البليدة-

قسم العلوم السياسية

محاضرات السداسي الأول في مقياس المنهجية

سنة أولى (ل.م.د)

السنة الجامعية:2012-2013

الأستاذة بوزيفي وهيبة

المحاضرة الأولى: العلم

خطة الدرس: 1- ماهية العلم 2- طبيعة العلم 3- نشأة وتطور العلم 4- أهداف العلم 5- الخصائص العامة للعلم

1- ماهية العلم:

       هناك من ينظر إلى العلم بوصفه " نشاطا إنسانيا بحتا ينتج عن سعي الإنسان للتعرف على نفسه أو غيره أو ما يحيط به من ظواهر معتمدا على مناهج وأدوات تحقق معرفة تتفاوت في الصحة والخطأ." نفس التعريف يذهب إليه الباحث أنجرس موريس و الذي يحدد كلمة علم بأنه:" نشاط الهدف منه هو إنتاج باستعمال وسائل خاصة به."

     في حين يعتبر كل من محمد الصاوي و محمد مبارك العلم بأنه وليد البحث ،هذا الأخير يمثل دعامة من أهم دعامات العلم و الركن الثاني من أركان بناء الحضارة العلمية وذلك بما يشتمل عليه معنى البحث من العرض والتحليل والنقد والأصالة والجودة. (الركن الأول هو العلم و الدراسة)  

     و العلم إن لم يكن له تعريف جامع إلا أنه يعتبر " مجموعة مترابطة من تصورات و آراء و أفكار نتجت و تنتج عن الملاحظة و التجربة و البحث."

2-طبيعة العلم:

     إن التعاريف المتعددة للعلم تعكس اختلاف و جهات النظر إلى طبيعة العلم، فهناك من يؤكد الجانب المعرفي و ينظر إلى العلم على أنه نظام من المعرفة العلمية المنظمة، وهناك البعض الآخر يؤكد على الجانب الفكري والمنهجي و ينظر إلى العلم على أنه طريقة للتفكير و البحث من أجل التوصل إلى هذه المعرفة و تنميتها.

     في حين نجد فريق ثالث لا يفصل بين هذين الجانبين و يؤكد التكامل بينهما، و ينظر بالتالي إلى العلم على أنه بناء معرفي و طريقة للتفكير و البحث في نفس الوقت.

أ-العلم كبناء معرفي: لقد توصل الإنسان على مر العصور إلى حقائق و معرفة معينة عن البيئة و الكون مكنته من وصف و تفسير كثير من الأشياء و الأحداث و الظواهر الموجودة و التي تحدث من حوله، وهذه المعرفة ساعدته على أن يكون أكثر فهما لبيئته و أكثر قدرة على التحكم فيها و تسخير إمكانياتها  المختلفة بما يخدم احتياجاته اليومية. و كان من الضروري إزاء تزايد الحقائق و المعرفة العلمية و تنوعها و سرعة تراكمها أنه تصنف و تنظم في بناء معرفي يتضمن هذه الحقائق و ما توصل إليه العلماء من مفاهيم و قوانين و نظريات و تعميمات علمية، ومن ثم فإن العلم هو ذلك البناء المعرفي الذي يضم في نظام معين هذه المعارف العلمية جميعها.

ب-العلم كطريقة للتفكير والبحث: استخدم الإنسان قديما أنماطا من التفكير غير العلمي مثل التفكير عن طريق المحاولة و الخطأ و استطاع الإنسان عن طريق هذه الأنماط المختلفة من التفكير أن يحصل على إجابات و يصل إلى تفسيرات معينة للأشياء و الأحداث و الظواهر من حوله، و كثيرا ما يتقبلها الإنسان دون أن يناقشها و يتحقق من صحتها.

و لاكتشاف الإنسان لطرق و أساليب التفكير العلمي استطاع أن يتحرر من قيود هذه الأنماط القديمة من التفكير، و أن يتوصل عن طريق هذا التفكير العلمي إلى معرفة محققة للظواهر، وذلك بفضل أساليب الملاحظة الدقيقة ،و صياغة الفروض و التحقق من صحتها عن طريق التجربة العلمية، ويطلق على هذه الطريقة باسم طريقة البحث العلمي.

ج- الجمع بين العلم كبناء معرفي و كطريقة للبحث: لقد أكد العديد من العلماء على أنه لم تعد هناك نظرة محددة للعلم و أنه لم يصبح فقط مجرد تجميع المعلومات أو المعرفة العلمية، و أنه ليس إضافة حقائق أو اكتشافات جديدة فحسب، و إنما يأتي أساسا من عملية التفاعل بين نظرياته القديمة و المفاهيم و المدركات العلمية الجديدة و عليه فإن العلم هو " مجموعة متراكمة لا نهاية لها من الملاحظات الخبراتية التي تؤدي إلى تكوين مفاهيم و نظريات علمية جديدة."

      و الجدير بالذكر أن هناك بعض الباحثين من يخلط بين العلم والتكنولوجيا و يرى في العلم الأدوات و الأجهزة و الآلات الحديثة التي يستخدمها الإنسان في مختلف مجالات العمل والحياة، في حين أن هناك فرق بين المفهومين، فإذا كان العلم هو "المعرفة العلمية المنظمة و المتطورة و طريقة فعالة للبحث و التفكير"، فإن التكنولوجيا هي " التطبيق المنظم للمعارف تحقيقا لأهداف و أغراض علمية." و بمعنى آخر هي " تطبيق المعرفة العلمية لتصميم، إنتاج، واستخدام منتجات وخدمات توسع مقدرة الإنسان على تطوير البيئة الطبيعية الإنسانية والتحكم فيها."

3- نشأة و تطور العلم:

      العلم ليس نتيجة جهد فرد واحد ،كما أنه لم يخرج لحيز الوجود في صورته الراهنة دفعة واحدة ،و إنما العلم نتيجة جهد متواصل و متراكم لأعداد لا تحصى من الأفراد و اكتشافاتها على مدى سنين عديدة ،لعبت فيها الصدفة دورا و لعبت فيها التجارب و الأفكار المنظمة دورا آخر.

    و قد نشأ العلم بالملاحظة و نمى بتجميع تلك الملاحظات و تنظيمها إلى أن جاء عصر النهضة فأخذ بالمنهج التجريبي، و العلم ازداد تقدما بتطور طرق إدراك المعرفة و أجهزة القياس، فباستخدام القياس أصبح الإدراك موضوعيا دون أن يكون للانطباع الذاتي للشخص تأثير في ذلك، لأن قدرات الحواس تبقي محدودة. وهكذا انتقل العلم من المرحلة الوصفية التي اعتمد فيها على الوصف عن طريق الحواس إلى المرحلة النظرية التي استخدم فيها المنهج التجريبي.

    و بغض النظر عن الملاحظة و أجهزة القياس التي ساهمت في نشأة العلم ثم تطوره، يبقى حب الاطلاع و الفضول هما الباعث الأول للمعرفة العلمية منذ القدم.

 4-أهداف العلم:

الوصف: إن أحد أهداف العلم الأكثر دقة هو النجاح في وصف الواقع، حيث سيحاول الباحث التدقيق في مختلف عناصر الموضوع أو الظاهرة من خلال تمثيل مفصل و صادق لهذا الموضوع أو لتلك الظاهرة.

 التصنيف: إن العلم لا يكتفي بوصف المواضيع و الظاهر، بل يبحث أيضا عن تصنيفها و ترتيبها، و للقيام بذلك فإنه يقوم باختصارها و اختزالها في بعض الفئات من العناصر وذلك بتجميعها حسب بعض المقاييس و مدى ملاءمتها ،ذلك لأن بعض هذه المواضيع و الظواهر يتميز بالتقارب أو التشابه إذا ما قيس بمواضيع و ظواهر أخرى.

 التفسير: يهدف العلم إلى أبعد من مجرد ملاحظة ووصف الظواهر المختلفة طبيعية كانت أم اجتماعية، ذلك لأن الوصف لظاهرة معينة مهما كان دقيقا لا يؤدي في حد ذاته إلى فهم الظاهرة و معرفة عوامل و أسباب حدوثها.

وعليه يعتبر التفسير من بين الأهداف الأكثر جوهرية للعلم، ذلك لأن العلم يريد أن يكتشف العلاقات القائمة بين الظواهر، و العلاقة التي يبحث عنها أكثر هي بطبيعة الحال علاقة سببية، أي تلك العلاقة التي تجعل إحدى الظواهر سببا في وجود ظاهرة أخرى أو عاملا رئيسيا في ظهورها.

د- الفهم: عندما يتعلق الأمر بدراسة الأشخاص نجد بعض الباحثين من يضيف الفهم إلى الأهداف الأخرى للعلم، وهو في هذه الحالة اكتشاف طبيعة إنسانية مع الأخذ بعين الاعتبار للمعاني المعطاة من طرف الأشخاص المبحوثين.

ه- التنبؤ: لا يقف العلم عند حد التوصل إلى تعميمات أو تصورات نظرية معينة لتفسير الأحداث والظواهر، إنما يهدف أيضا إلى التنبؤ بما يمكن أن يحدث إذا طبقنا هذه التعميمات في مواقف جديدة غير تلك التي نشأت عنها أساسا، شريطة أن تكون هذه التنبؤات مقبولة علميا لذلك ينبغي التحقق من صحتها.

ي-الضبط و التحكم: يهدف العلم كذلك إلى التحكم في العوامل والظروف التي تجعل ظاهرة معينة تتم على صورة معينة أو تمنع حدوثها، وضبط ظاهرة معينة يتوقف على مدى صحة تفسيرها و معرفة الأسباب الحقيقية المسببة لها، وفي نفس الوقت تزداد قدرتها على ضبط الظاهرة و التحكم فيها كلما زادت قدرتها على التنبؤ بها.

5-الخصائص العامة للعلم:

حقائق العلم قابلة للتعديل أو التغيير: حقائق العلم ليست مطلقة أو أبدية لا تتغير و لا تتبدل، بمعنى أن حقائقه ليست بالأشياء المقدسة أو المعصومة من الخطأ ،و السبب في ذلك أن هذه الحقائق صادرة عن الإنسان و ترتبط بزمان معين و ظروف معينة، فهي صحيحة في حدود ما يتوفر لها من براهين تدعمها و تثبت صحتها وقت اكتشافها وفي حدود الظروف و الوسائل و الإمكانيات المتوفرة وقتئذ، لكن إذا ما استجدت أدلة وإمكانيات جديدة نبين خطأها أو عدم صحتها.

العلم يصحح نفسه بنفسه: بمعنى أن العلم يجدد نفسه و ينمو و يتطور باستمرار.

العلم تراكمي ( الخاصية التراكمية للعلم): هذه الخاصية لا تجعل العلماء في نشاطهم العلمي يبدؤون من نقطة الصفر في كل مرة يدرسون منها مشكلة أو ظاهرة معينة، ذلك أنهم في معظم الحالات يبدؤون من حيث توقف من سبقوهم و على أساس ما توصلوا إليه من حقائق و نظريات و معرفة علمية. وعليه فإن البحوث الجديدة تبدأ من حيث انتهت البحوث السابقة، فنتائج البحوث السابقة تصبح مقدمات للبحوث اللاحقة.

العلم وثيق الصلة بالمجتمع: منذ المراحل الأولى في بناء العلم و تطوره ارتبط العلم بالمجتمع و المشكلات التي يواجهها الإنسان في حياته، حيث يؤثر فيه و يتأثر به، فالعلم لم يكن غاية في حد ذاته، وإنما كان وسيلة ساعدت الإنسان على فهم الأشياء و تفسيرها. وهكذا من خلال التفاعل بينهما ينمو و يتطور كل منهما.

 

 

 

 

Commenter cet article